الأحد، 18 مارس، 2012

سادسا : الوعي الجمالي في الفكر المثالي والمادي.


نتيجة لاشتغالات الجمالي وتطور بنياته الشكلية في منجزات فنية، واستمرار هذه الاشتغالات حتى بعد أن حل التداول في المفاهيم[1]، وأخذت اللغة مأخذها في التعبير عن الأشياء، بدأ الإنسان يفكر في ماهية المحمولات، بدأ التفكير بالمقولات[2]، ورفض الأساطير والسفسطة.
بمعنى أنهم سعوا إلى فهم الواقع أو المحيط ليتخذ معيارا كما قلنا، ويميل الباحث في ذلك إلى رأي (هنري توماس)[3]، اذ بدأت أولى أبحاث الكشف عن هذا الواقع في بلاد الشرق تحديدا في (سومر)، ولا غرابة في ذلك؛ إذ المؤشرات والأدلة المادية تؤكد أن لهذا الموطن(العراق) له السبق في اكتشاف الكثير ومن هذا الكثير هو (الكتابة)[4].
وعلى أية حال فان في بلاد الشرق عموما كان هناك فعلا لإزاحة الجهل من كل مكان، ثم بعد ذلك ظهر مجموعة من الحكماء حاولوا فهم هذا الواقع، وسموا باسم الفلاسفة(قبل سقراط)، حتى أصبح هذا المصطلح مؤشرا لهم[5]"وعلى الرغم من أن الفلاسفة قبل سقراط نبذوا الكثير من اللغة الأسطورية، إلا أنهم ظلوا متأثرين في بعض النقاط بما ورثوه من مزاعم عصر ما قبل الفلسفة "[6] فكان مثلا الاعتقاد بحجر الفلاسفة(philosophizer's stone)، كإكسير للصبا والشباب، أو لقدرته على تحويل المعادن إلى ذهب[7]، أو الاعتقاد بان جميع الأشياء صدرت عن (الماء) الذي " يقدم تعبيرا عقليا عن فكرة مصرية اسطورية وهي فكرة لها أيضا ما يشابهها في بابل، مؤداها ان العالم نشأ عن (نن) ربة المياه الأولى"[8] .
وهم بشكل عام حاولوا أن يبحثوا عن الجوهر الذي خلقت منه السماء والأرض، كما فعل ذلك فلاسفة الشرق القديم، ولذا فان هذا الاشتغال الفكري قديم جدا[9].
ولو تساءلنا عن الدافع لهذا السعي أو البحث عن الجوهر الكلي، فسنجده قائما على تثبت المعيار في الواقع، ومن هنا ظهرت المثالية في الفكر، نتيجة لاتخاذ مثلا أعلى يكون كاملا في بابه، أو لنقل أنهم – فلاسفة العقل- قد أدركوا أن(الحقيقة:المعيار)(كامنة، كامن) في عالم يتعدى الظواهر الخارجية، بعد أن استغرق طولا البحث في هذه الظواهر من قبل من سبقهم.
وبهذا المعنى يتبلور لدينا مفهوما أخر وهو الميتا فيزيقيا، التي اشتقت " من ميتا اليونانية وتعني (ما وراء) و فيزيقيا وهي تعني علم الطبيعة، وموضوع الميتافيزيقيا هو دراسة الكائن الذي يوجد وراء الطبيعة "[10] .
وهذا ما أكده المنظرون في الموسوعة الفلسفية المختصرة إذ قالوا: "كانت كلمة ( idealism ) المثالية، وذلك على أساس هام، وهو أننا نستطيع أن نتصور الصفات التي ننسبها إلى تلك الأشياء مجردة عن تجربتنا الحسية لها"[11] والسبب في ذلك تناول المثالية في بحثها عن المعيار، لما هو روحي أكثر من ما هو مادي، غير أنها لم تهمل ما هو مادي مطلقا. لتساوي نوعي المعرفة، أو لنقل لتوازيهما كـ(حس وعقل)، في طرق استنباطها، سواء أكان ذلك الطريق قياسا ام استقراءا .
ولذا فالمثالية تعتقد " أن جوهر الحقيقة يمكن أن يعرف في النهاية على انه روحي" [12] وهنا نجد أن معناها الفلسفي يختلف " اختلافا تاما عن معناها الشائع، حين يراد بها أن تشير إلى الأهداف الأخلاقية " [13] وان كانت الأخلاق ستلعب دورا رئيسيا في بيان آليات اشتغال الجمالي كما سنرى.
إن الاهتمام بالجمال " كان مرحلة متأخرة في الحياة اليونانية، إذ أن الفلاسفة الأوائل(...) لم يهتموا بطبيعة (الخالق) بالقدر الذي اهتموا به بتركيب الكون، كما أن سعيهم وراء الحقيقة قادهم إلى اتجاه يختلف عن الاتجاه الذي أخذه الفلاسفة الشرقيون، فانتقلوا من التأمل إلى البحث العلمي، فاخذوا يبحثون عن وحدة التركيب في علم الجمال الخالد " [14] ولعل في هذا القول خلطاً بين الفلاسفة قبل سقراط الذين توجهوا بدراسة الموجودات من خلال البحث العلمي وبين سقراط ومن تبعه الذين جاءوا في المرحلة المتأخرة من الحياة اليونانية، والذين اهتموا بعلم الجمال.
كما أن ذلك البحث العلمي السابق لفلاسفة العقل، لم يأت بنتائج ابعد من حدود الخرافة، إلا انه بحثا عن (الجوهر)، حتى توصل فيثاغورس من خلال هذا النمط من البحث إلى عد الرقم بما هو أو العدد هو الجوهر، غير ملتفت إلى كونه كلي مشكك، وما هو كذلك لا يمكن أن يكون جوهرا بمعنى لا يمكن أن يكون موجودا في موضوع، وإنما يكون وجوده من قبيل الموجود لا في موضوع.



[1] . المفهوم: هو ما يدرك من حقائق الأشياء بشكل كلي. ينظر: جعفر الحسيني، معجم مصطلحات المنطق، ص 298.
[2] . المقولات هي المحمولات التي يمكن ان تحمل على الموجودات. ينظر المصدر السابق، ص 303.
[3] . ينسب الكثير من المهتمين بدراسة الفلسفة الى اليونان في فضل السبق في عالم الحكمة وليس هذا الا وقوعا في خطا فاحش، فحب الحكمة كالشمس تماما، بزغ نوره من الشرق ثم ما لبث ان انتشر تجاه الغرب، وبهذا فان الفلسفة او الحكمة لم تهبط من السماء على اليونانيين كما يدعي البعض، وانما هي امتداد حقيقي للحكمة في بلاد الشرق، خاصة بلادي الرافدين والنيل، ينظر: هنري توماس اعلام الفلاسفة كيف نفهمهم، ص 67.
[4] . للافادة يراجع: س ن كريمر، هنا بدا التاريخ: ت ناجية المراني، الموسوعة الصغيرة، عدد، 77، وزارة الثقافة والاعلام، منشورات دار الجاحظ، بغداد، 1980.
[5] . " يستخدم مصطلح (الفلاسفة قبل سقراط)، للاشارة الى ما يقرب من اثني عشر مفكرا من اليونان الاوليين فيما قبل سقراط/ ممن حاولوا ان يعرفوا تركيب العالم وطبيعة الواقع" . مجموعة مؤلفين، الموسوعة الفلسفية المختصرة، ص 304. وكذلك: هنري توماس، اعلام الفلاسفة كيف نفهمهم، ص 68 – 79، اذ يذكرهم بشكل مطول.
[6] . مجموعة مؤلفين، الموسوعة الفلسفية المختصرة، ص 305.
[7] .ينظر: ميرتشيا اليادة، البحث عن التاريخ والمعنى في الدين، ت:د.سعود المولى، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت،2007، ص 332.
[8] . مجموعة مؤلفين، الموسوعة الفلسفية المختصرة ص 305.
[9] . ينظر: هنري توماس، اعلام الفلاسفة كيف نفهمهم، مصدر سابق، ص 68.
[10] . جورج بوليتزر واخرون، اصول الفلسفة الماركسية، ت: شعبان بركات، المكتبة العصرية، بيروت،دت، ج1، ص 33.
[11] . مجموعة مؤلفين، الموسوعة الفلسفية المختصرة، مصدر سابق، ص 403.
[12] . المصدر سابق، ص، 405.
[13] . نفس المصدر، ص 403.
[14] . هنري توماس، اعلام الفلاسفة كيف نفهمهم، مصدر سابق، ص 68 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق